وتشهد العاصمة الخرطوم والمدن الأخرى زيادة كبيرة في معدلات الأطفال المشردين في الآونة الأخيرة، على الرغم من الجهود الحكومية لمحاربة الظاهرة التي يعزوها مسؤولون حكوميون إلى الفقر والتفكك الأسري والحرب الأهلية.

ويعيش عثمان كغيره من مئات المشردين أسفل أحد الجسور الرئيسية جنوب العاصمة، إذ إن هؤلاء المشردين يفضلون التنقل في مجموعات لتوفير الحماية لأفرادها.

قلق كبير

تعبر مديرة مكافحة وحدة العنف ضد المرأة والطفل سليمى اسحق في تصريحات لـ”سكاي نيوز عربية” عن قلقها البالغ من تعرض هؤلاء الأطفال إلى العنف الجسدي والجنسي في العاصمة والولايات.

ويعتمد أغلب الأطفال المشردين على قضاء الليل والنوم في أماكن عامة بالأسواق والأزقة وبنايات تحت التشييد ويبحثون عن الأطعمة في مكبات النفايات والمكوث بداخلها، وفي بعض الفترات يتلقون رعاية صحية من موظفي الخدمات الاجتماعية في المنظمات والوكالات الحكومية لكنها غير مستدامة.

توقعات مخيفة

من المتوقع ارتفاع العدد بشكل أكبر خلال الفترة المقبلة بسبب الظروف الاقتصادية الحالية التي تعيشها البلاد وإفرازات الحرب الأهلية التي استمرت في غرب البلاد أكثر من ثلاث عقود، مما يشكل هاجسا أمنيا واجتماعيا كبيرا.

وتقول منظمة اليونيسيف أن هنالك 3 ملايين طفل في السودان خارج الفصول الدراسية، وجاء ذلك في تقريرها الذي صدر مؤخرًا.

وعزا الأمين العام للمجلس القومي للطفولة عثمان أبوشيبة لـ”سكاي نيوز عربية” تصاعد نسبة تشرد الأطفال إلى الحرب الأهلية والفقر والتفكك الأسري.

ويضيف أبوشيبة: “لا توجد إحصاءات دقيقة عن الأطفال المشردين لأنهم في حالة انتقال دائم من منطقة إلى أخرى”.

وينوه أبوشيبة إلى أن حركة الأطفال المشردين عالية جدًا في الانتقال من منطقة إلى أخرى، ولا يمكن حصرهم، وهناك فئات تلجأ إلى مكاتب الشرطة ليلًا، ولا يمكن الاكتفاء بحصرهم.

ويضيف: “هناك ارتفاع في نسبة الأطفال من يمتهنون التسول، ويتم جلبهم من دول أخرى وتوزيعهم بواسطة الشبكات على إشارات المرور والأسواق”.

شبكات منظمة

وتعمل شبكات منظمة على استغلال المشردين في التسول وعدد من الأعمال الإجرامية. وتبدو هذه الظاهرة واضحة من خلال التحركات اليومية.

ففي وقت مبكر من الصباح تتحرك سيارات تعرف شعبيًا بـ”التوك توك”، وهي تحمل مجموعة أطفال من الأحياء الطرفية بالعاصمة السودانية إلى أحياء شرق ووسط الخرطوم لامتهان التسول.

وتعود السيارات الصغيرة وأحيانا الحافلات المتخصصة في نقل المتسولين، ومن بينهم مئات الأطفال في الخرطوم وأغلب هؤلاء الأطفال تحت سن العاشرة، وتتخذ الشبكات من منازل صغيرة في أحياء طرفية في العاصمة مأوى لجمع الأطفال مع كبار السن.

مشاكل متفاقمة

تتفاقم المشاكل التي تواجه الأطفال المشردين، لا سيما في العاصمة السودانية، مع تطاول فترات التشرد بسبب الإدمان على المخدرات وتعاطي مادة “السلسيون”.

وتقول مديرة منظمة الملاذ الآمن للتنمية ملاذ عبد العزيز إبراهيم لموقع “سكاي نيوز عربية” إن المخاطر التي تُقابل الأطفال المشردين عدم رغبتهم في اللجوء إلى المراكز الصحية للعلاج، لأن الإجراءات معقدة، مثل طلب “أورنيك 8” الخاص من قسم الشرطة.

وتوضح عبد العزيز أن نشطاء في مجال مكافحة التشرد تمكنوا من نقل بعض الأطفال المشردين إلى المستشفى وأُجريت لهم عمليات جراحية وإسعافات من إصابات تعرضوا لها أثناء حركتهم الدائمة وتعرضهم إلى العنف إما داخل المجموعة أو بين مجموعتين تتعاركان على النفوذ في منطقة معينة.

ظروف مواتية

مع تعرض نحو 275 ألف شخص في السودان بحسب إحصاءات صادرة عن وزارة العمل والتنمية الاجتماعية إلى الفيضانات والسيول بين أغسطس وسبتمبر 2020 تتوقع منظمات معنية بمكافحة التشرد بازدياد نسبة الأطفال المشردين كليًا أو جزئيًا بإرسالهم إلى الأعمال الاضطرارية أو التسول.

وترى مديرة وحدة مكافحة العنف ضد الطفل والمرأة سليمى إسحق ان هنالك نوعا آخر من التشرد الجزئي يتمثل في عمالة الأطفال.

وتحذر المسؤولة المعنية بحماية الأطفال من أن التشرد الجزئي قد يتحول إلى تشرد كامل نتيجة تفاقم الأزمة الاقتصادية التي تؤدي إلى اتساع رقعة الشبكات الاجتماعية المعدمة.

وتؤكد اسحق تزايد الأطفال المشردين من جراء الحرب الأهلية والأزمة الاقتصادية التي تسبب الفقر وتؤدي إلى تفكك المجتمعات الهشة والتخلي عن أطفالها أو هروبهم.

وتضيف: “هناك أطفال ولدوا في الشوارع أثناء حياة التشرد نتيجة حدوث تناسل بين المشردين وهي ارتباطات اجتماعية تحدث داخل المجموعات التي تكفل الحماية لعناصرها من الأطفال والفتيات”.

وازدادت خلال الشهور الأخيرة أعداد الأطفال المشردين في الأسواق الرئيسية بالعاصمة السودانية إلى أضعاف ما كانت عليها رغم توقف الحرب، لكن الفقر دفع بالآلاف إلى الانتقال نحو المدن والعاصمة السودانية.

محاولات يائسة

تبذل الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني جهودا كبيرة لتطويق الظاهرة، لكن تلك الجهود غالبا ما تصطدم بعقبات كبيرة. وتعثر مشروع “المدارس البديلة” منذ سنوات في السودان وهو نظام يستهدف الأطفال المشردين جزئيًا وكليًا عقب طرد نظام الرئيس المعزول في العام 2009 بعض المنظمات الدولية التي كانت توفر التمويل.

وترى اسحق أن انهيار التعليم الحكومي أدى إلى تراجع مراكز الاستنارة وسط الأحياء الفقيرة والشعبية، متهمة النظام المخلوع بتحويل غالبية المدارس الحكومية في المدن إلى مراكز أمنية وسياسية.

وتعتقد اسحق أن الحكومة الانتقالية بطيئة في الاستجابة لدعوات إحياء التعليم الحكومي في وقت لا يزال القطاع الخاص يهمين على المدارس، مما يجبر الأطفال من العائلات الفقيرة إلى التوجه نحو حياة التشرد.

وترجح اسحق أن يرتفع أعداد المشردين خلال الفترة القادمة، لأن الفقر لا يتوقف عن التهام المزيد من المجتمعات.

نقلا عن سكاي نيوز عربية