كتب✍️ مصطفى ودالنمر … لجنة كهرباء شمال الجزيرة حين عادت الكهرباء عادت الروح

الحمد لله أولاً وآخراً، ظاهراً وباطناً، أن أذن للنور أن يعود، وللحياة أن تُبعث من جديد في أكثر من ثمانين منطقة من مناطق شمال الجزيرة، بعد ظلامٍ طال، ومعاناةٍ امتدت، ودمارٍ خلّفته مليشيا العدوان والتمرد، لم يستثنِ حجراً ولا بشراً، ولا شرياناً من شرايين الحياة.
منذ منتصف ليل امس، انفجرت الفرحة في القرى والفرقان، وتعانقت الزغاريد مع الدعوات، وتسابقت القلوب قبل الألسن في الترحيب بعودة التيار الكهربائي، لا بوصفه خدمة فحسب، بل باعتباره إعلان انتصار على القهر، ورسالة واضحة بأن هذه الأرض لا تُهزم، وأن أهلها لا ينكسرون.
عودة الكهرباء إلى شمال الجزيرة تعني عودة الروح إلى جسد الاقتصاد السوداني، وتعني أن شرياناً حيوياً كان ينزف قد عاد ينبض من جديد، في منطقة تُعد من أعمدة الإنتاج والاستقرار، ورافداً أساسياً للعاصمة على وجه الخصوص، وللسودان على وجه العموم.
وفي هذا المشهد الوطني المهيب، لا بد أن نقف وقفة إجلال واحترام لرجالٍ كُثر عملوا في صمت، بعيداً عن الأضواء، لا يطلبون شكراً ولا ينتظرون جزاءً. رجال سهروا حين نام الناس، وربطوا على الجراح حين اشتد الألم، وتنقلوا بين المدن والقرى متحدّين المخاطر، وبذلوا كل ما بوسعهم لتعود الكهرباء، ويعود معها الأمل.
هؤلاء لم يكونوا أسماءً في لافتات، ولا وجوهاً في الصور، بل كانوا فعلاً صادقاً، وعملاً خالصاً، وإيماناً بأن خدمة الوطن شرف، وأن إعادة البناء معركة لا تقل قدراً عن معارك الميدان.
وإذ نخص بالشكر والتقدير لجنة كهرباء شمال الجزيرة، فإننا نمد هذا الشكر لكل يدٍ امتدت، ولكل عقلٍ فكّر، ولكل جهدٍ بُذل، ولكل من أنفق من ماله، قليلاً كان أو كثيراً، فالجميع شركاء في هذا الإنجاز، والجميع كتب اسمه – وإن لم يُذكر – في سجل الوفاء.
ولا يمكن الحديث عن هذا النصر دون الحديث عن صبر المواطن، ذلك الصبر الأسطوري الذي تحمّل الظلام، وضيق العيش، وقسوة الواقع، دون أن يفقد الإيمان أو يتراجع عن حب أرضه. صبرٌ كان ثمنه غالياً، وتضحياته جسيمة، حتى كأن هذه العودة المباركة قد دُفعت مهرها دماءً طاهرة، وشهداء معركة الكرامة، نسأل الله أن يتقبلهم في عليين، فهم سبب ما نحن فيه اليوم من خير، بعد فضل الله.
إن عودة النور إلى شمال الجزيرة ليست مجرد حدث عابر، بل علامة فارقة، ودليل حيّ على أن الشعوب التي تصبر وتتوحد، تنتصر. هي رسالة أمل، وبشارة بأن القادم أجمل، وبأن ما تهدّم يمكن أن يُبنى، إذا وُجد الرجال، وصدق العزم، وتكاتفت الأيادي.
فاليوم، عاد التيار…
وغداً، بإذن الله، يعود السودان أقوى، وأثبت، وأجمل.



