السودان بين مشروع الدولة ومشروع المليشيا: تفكيك هندسة الاستيلاء الهجين وصراع الشرعية والسيادة

-إعداد المهندس/ خالد مصطفى الصديق الفزازي
-خبير الإستراتيجية واقتصاد المعرفة

سيُسجل في القراءة الاستراتيجية الرصينة أن ما جرى في السودان لم يكن تمردًا عابرًا، ولا انفلاتًا أمنيًا محدود الأثر، بل كان مشروعًا متكامل البنية لإعادة هندسة الدولة بالقوة، وإعادة تعريف السلطة خارج إطار الشرعية الدستورية والمؤسسية .
ما حدث لم يكن صدامًا بين قوتين قوة عسكرية و مليشيا كان تشارك فى الحكم فحسب، بل مواجهة بين نموذجين للحكم: نموذج الدولة الوطنية ذات المؤسسة المركزية، ونموذج الكيان المسلح العابر للقانون، الذي يسعى إلى فرض ذاته بوصفه شريكًا سياسيًا بقوة السلاح لا بقوة التفويض الشعبي .

المليشيا التي اندفعت إلى قلب العاصمة لم تكن تتحرك بعفوية ميدانية، بل ضمن تصور عملياتي يزاوج بين السيطرة العسكرية والرهان السياسي اللاحق .
التمدد في الخرطوم لم يكن مجرد مناورة، بل كان خطوة في هندسة استيلاء هجيني؛ حيث تُستخدم الكتلة النارية لتصنيع شرعية تفاوضية زائفة .
احتلال الجغرافيا السيادية كان يهدف إلى ابتزاز العملية السياسية، وتحويل “الواقع المفروض” إلى “واقع معترف به” .

إن مفهوم “الاستيلاء الهجين” يختلف عن الانقلاب التقليدي؛ فهو لا يسعى إلى إعلان سقوط الدولة، بل إلى احتجازها داخل مراكزها الحيوية، ثم التفاوض من داخلها بوصفه أمرًا واقعًا .
السيطرة على القصر الجمهوري، محيط القيادة العامة، الجسور الرابطة بين ضفتي العاصمة، والمطار الدولي، لم تكن اختيارًا عشوائيًا، بل استهدافًا مقصودًا للرمزية السيادية .
ففي حروب المدن، من يملك المركز الرمزي، يفرض على خصومه إعادة تعريف قواعد اللعبة .

لكن هذا المشروع لم يقف عند حدود السيطرة المكانية، بل استند إلى ركيزة أخطر: اقتصاد الحرب بوصفه بديلًا عن الدولة .
المليشيا لم تُبنَ على عقيدة وطنية جامعة، بل على شبكة مصالح متداخلة، يتقاطع فيها الذهب مع التهريب، والسلاح مع خطوط الإمداد العابرة للحدود، والولاء الشخصي مع الحافز المالي .
هذه البنية الاقتصادية غير الرسمية منحت الكيان المسلح قدرة على الاستقلال المالي عن الخزانة العامة، ووفرت له هامش مناورة خارج منظومة الرقابة المؤسسية .

اقتصاد الحرب ليس مجرد تمويل للمعركة؛ بل هو إعادة تشكيل للسوق السياسي .
حين يتحول النزاع إلى استثمار طويل الأمد، يصبح استمرار الصراع مصلحة قائمة بذاتها .
ومن هنا يتبدى الخطر الاستراتيجي: تفكيك احتكار الدولة للعنف المشروع، وتحويل السلاح إلى أداة تفاوض تجاري، لا أداة دفاع سيادي .

الركيزة الثالثة في هذا المشروع تمثلت في تدويل الصراع عبر وكلاء .
الدعم الخارجي لم يكن دعمًا عاطفيًا أو تضامنًا سياسيًا، بل كان جزءًا من معادلة نفوذ إقليمي .
في سياق البحر الأحمر والقرن الإفريقي، تتنافس قوى إقليمية على الموانئ والممرات البحرية، وعلى إعادة توزيع النفوذ في فضاء جيوسياسي بالغ الحساسية .
في هذا السياق، تصبح المليشيا أداة منخفضة التكلفة وعالية التأثير، قادرة على إرباك الدولة دون الحاجة إلى تدخل مباشر مكلف .

تدفق السلاح عبر مسارات ملتوية، وتوفير الغطاء السياسي عبر شبكات علاقات عامة ولوبيات دولية، يكشفان أن الهدف لم يكن مجرد دعم طرف في نزاع داخلي، بل خلق حالة هشاشة مزمنة تسمح بإعادة تشكيل القرار السيادي من الخارج .
الدولة الضعيفة أسهل في التوجيه، وأكثر قابلية للارتهان .

أما الركيزة الرابعة، فهي الأخطر على المدى البعيد: تفكيك الهوية الوطنية لصالح هوية ميليشياوية .
حين يُعاد تعريف الانتماء على أساس الولاء الشخصي أو العصبية الضيقة، تُختزل الدولة في زعيم، ويُختزل القانون في شبكة مصالح .
هذا التحول من المواطنة إلى التبعية يضرب في عمق العقد الاجتماعي، ويحوّل الوطن إلى مساحة نفوذ لا إلى إطار سيادي جامع .

غير أن المشروع، على رغم جرأته، اصطدم بثلاث حقائق استراتيجية لا يمكن تجاوزها .

《الحقيقة الأولى》:

▪︎أن الدولة ليست مباني .

▪︎السيطرة على الخرطوم لا تعني السيطرة على السودان .

▪︎العمق الجغرافي، وتعدد المراكز الاجتماعية، والامتداد التاريخي للمؤسسة العسكرية، كلها عناصر تعيد إنتاج المقاومة حتى بعد الصدمة الأولى .

▪︎الدولة مفهوم يتجاوز الجغرافيا؛ إنها شبكة مؤسسات، وذاكرة جمعية، وإرادة سياسية متراكمة .

《الحقيقة الثانية》:

▪︎أن المرتزق لا يصمد طويلًا في حرب استنزاف .

▪︎القوة التي تقاتل براتب ترتبط معنوياتها باستمرارية التمويل، وتماسك سلاسل الإمداد، ووضوح المكاسب .

▪︎حين تتعطل هذه العناصر، يبدأ التآكل الداخلي .

▪︎في حروب المدن الطويلة، يتحول الزمن إلى عامل حاسم .

▪︎الدولة، مهما ضعفت، تملك قدرة أعلى على امتصاص الصدمة وإعادة التموضع، بينما يواجه الكيان المسلح معضلة الحفاظ على تماسكه في بيئة استنزافية .

《الحقيقة الثالثة》:

☆أن الشرعية الدولية لا تُشترى بالكامل .
قد تُشترى بيانات، وقد تُؤجَّر مواقف، لكن الاعتراف النهائي يظل مرتبطًا بوجود كيان قادر على إدارة دولة، لا مجرد السيطرة عليها بالسلاح .

☆المجتمع الدولي، مهما تناقضت مصالحه، يتعامل في النهاية مع الكيانات القابلة للاستدامة، لا مع القوى المؤقتة .

رهان دويلة الشر الإماراتية الداعمة كان قائمًا على سيناريوهين:

📍الحسم السريع الذي يفرض واقعًا جديدًا .

أو

📍التجميد القسري الذي يفضي إلى تسوية تعترف بالمليشيا لاعبًا دائمًا في المعادلة السياسية .

⭕كلا السيناريوهين ينطوي على مخاطر استراتيجية .
فإضفاء الشرعية على السلاح الموازي يخلق سابقة إقليمية قابلة للاستنساخ، ويهدد استقرار الدول ذاتها التي تراهن عليه .

إن تحويل المليشيات إلى شركاء حكم لا يخلق استقرارًا، بل يؤسس لازدواج السلطة .
ازدواج السلاح يعني ازدواج القرار، وازدواج القرار يعني تفكيك الدولة من الداخل .
التجارب المقارنة في الإقليم تشير بوضوح إلى أن إدماج الكيانات المسلحة دون تفكيك بنيتها الاقتصادية والقيادية يعيد إنتاج الأزمة في صورة أخرى .

📝استراتيجيًا، يقف السودان أمام ثلاثة مسارات محتملة .

《المسار الأول》 هو:

📌التفكيك الكامل للمليشيا عبر استنزاف عسكري متدرج، وقطع التمويل، وتجفيف شبكات التهريب .
هذا المسار يتطلب تماسكًا سياسيًا داخليًا، وإعادة هيكلة فعالة للاقتصاد الرسمي بما يقلص مساحة اقتصاد الظل .
نجاحه مرهون بقدرة الدولة على تحويل النصر العسكري إلى إعادة بناء مؤسسي .

《المسار الثاني》 هو:

📌الدمج المشروط، عبر إعادة هيكلة أمنية صارمة تُذيب الكيان المسلح داخل مؤسسة وطنية موحدة، وفق شروط قانونية لا تسمح بازدواج السلاح أو بقاء الولاءات الموازية .
هذا الخيار معقد، ويتطلب ضمانات إقليمية ودولية، وإرادة سياسية حازمة .

《المسار الثالث》، وهو الأخطر، يتمثل في:

📌تجميد الصراع وتحوله إلى فوضى مزمنة .
في هذا السيناريو، تبقى المليشيا قوة أمر واقع في أطراف جغرافية، وتتحول الدولة إلى كيان منقوص السيادة، عاجز عن فرض احتكار العنف .
✒️🔓هذا المسار يفتح الباب أمام تفكك بطيء، ويحول السودان إلى ساحة تنافس دائم بالوكالة .

الخلاصة الاستراتيجية لا تحتمل المجاملة: أي مشروع يقوم على عسكرة السياسة وتمويلها خارجيًا محكوم بالانكشاف، وإن طال أمده .
الدول تُبنى بالمؤسسات، وباحتكار العنف المشروع، وبالعقد الاجتماعي، لا بشبكات الارتزاق .
ومن يراهن على تفكيك السودان عبر وكلاء مسلحين يواجه معادلة تاريخية ثابتة؛ المجتمعات قد تتألم، لكنها في النهاية تعيد إنتاج دولتها، بينما تختفي المليشيات في هوامش كتب الصراعات .

السودان اليوم ليس ساحة معركة فحسب، بل ساحة اختبار لمفهوم الدولة في بيئة إقليمية مضطربة .
إما أن يُعاد تثبيت مركزية المؤسسة، أو يُفتح الباب أمام نموذج يتكرر في جغرافيات أخرى .
والرهان الحقيقي ليس على عدد البنادق، بل على صلابة الفكرة:
فكرة الدولة بوصفها الإطار الوحيد القادر على احتواء التنوع، وإدارة الاختلاف، وصون السيادة .

بهذا المعنى، فإن المعركة الدائرة ليست فقط معركة ميدان، بل معركة تعريف .
تعريف من يملك حق احتكار العنف، ومن يملك حق التحدث باسم الشعب، ومن يحدد مستقبل الجغرافيا .
وفي مثل هذه اللحظات المفصلية، لا تنتصر المشاريع المؤقتة، بل تنتصر البنى القابلة للاستدامة .

والتاريخ، حين يكتب، لا ينحاز إلى الضجيج، بل إلى النتيجة .

“قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ”

مقالات ذات صلة