في صحبة البروفسير الجزولي دفع الله بقلم : دكتورة هويدا صلاح الدين العتباني

لا أخفي سراً أنني مبهورة وفخورة بهذا الرجل العملاق، الذي لم يتشبث بسلطة فانية، وأوفى بالعهد مع رفيق دربه عبدالرحمن سوار الذهب رحمه الله، حين سلموا السلطة بعد حكومة انتقالية لمدة عام واحد، بدأت عقب انتفاضة أبريل عام 1985 وإنتهت بإجراء انتخابات نزيهة وتشكيل حكومة مدنية في مايو 1986، هي الحكومة الديمقراطية الثالثة في السودان. ولا شك كان للجزولي دفع الله القدح المعلى في إسقاط حكومة نميري، من خلال تسنمه قيادة نقابة الأطباء وما حدث من إضراب عجل بالسقوط .
إنهم رجال أوفوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلاً، وأوفوا للشعب السوداني الذي وثق فيهم، بعد أن مات الوفاء ولم يبق في النفوس إلا اليأس والجزع، وحقيقة إن اليأس والجزع أمر إعتاد عليه أهل السودان وهم يرون حكوماتهم المتتتالية وبعض من وزرائهم لا يتوانى أحدهم او يفكر بتقديم استقالته أو التنحي من كرسيه وقد أحاط به الفشل أو فضحه الفساد من كل باب . وفي المقابل فإن حكومة سوار الذهب ضربت أعظم نموذج يحتذى به، فهم بالفعل أكرم الناس، وتكريمهم واجب في أعناقنا .
الناس بالناس ما دام الوفاء بهم والعسر واليسر ساعات وأوقات
وأكرم الناس ما بين الورى رجل تقضى على يده للناس حاجات
لقد إلتقيت بالبروف الجزولي دفع الله أول مرة عام 2017، حين كنت من ضمن مجموعة الحركة الوطنية للتغيير، والتي كان أبرز مؤسسيها البروف الطيب زين العابدين رحمه الله، والتي تطورت فيما بعد لتصبح (مبادرة 52)، والتسمية ترجع إلى توقيع بعض النخب السياسية البارزة على مذكرة قدمت إلى الرئيس السابق عمر البشير مطالبة منه التنحي من السلطة وتكوين حكومة انتقالية، وقد راجت الساحة وقتها بخبر قرار ترشح البشير لدورة أخرى في العام 2020.
مهما يكن وفاءً لهذا الرجل الشامخ رأى تجمع السودانيين بالخارج (صدى) تكريمه، ورغم شح الإمكانيات إلا أن المناسبة التى قدم فيها التكريم كانت عظيمة، وذلك عندما التقى نفر من أرجاء المملكة المتحدة وأوربا في مانشستر بإنجلترا ليحتفلوا بعيد إستقلال السودان وعليه فإن التكريم كان أدبياً معنوياً .
وفي البص الناقل من برمنجهام إلى مانشستر تجاذبنا مع بروف الجزولي الحديث، فكان حديثاً منساباً وسلساً، أضفى عليه البروف مصطفى نواري نكهة خاصة بمداخلاته القيمة. وقد قاد الحوار الشاب الجسور النشط إبن البطانة البار محمد أحمد إدريس جبارة، فكانت تداخلاته من قلب التاريخ وأسئلته من جوهر الحدث، ساعة ونصف مرت وكأنها بضع دقائق لم نسأم أو نمل .
الجزولي دفع الله مساعد ولد عام 1935 بقرية الدناقلة ريفي حنتوب التي تبعد حوالي 10 كلم عن قرية الشبارقة، يقول أن أهل قرية الدناقلة بديرية دهمشية ، وهم أهل والدته ، أما والده فهو من قرية فداسي، وجده الرابع من جهة الأب أسمه حجازي، وهو مدفون في الكدرو ، وهناك حي الحجازاب في الكدرو، ومقابر حجازي مسمية باسمه .
تلقي تعليمه الأولي بقرية الدناقلة، ودرس القران على يد عبد الله عبد الباقي من المسيكتاب، درس الوسطى في مدرسة رفاعة الأميرية عام 1945، ورغم توجهه العلمي في الجامعة إلا أنه في هذه المرحلة كان شغوفاً بالأدب، وإلى درجة أنه أصبح رئيساً للجمعية الأدبية، ومسؤول المكتبة. فقرأ خلال إشرافه على المكتبة كتب العقاد والرافعي وطه حسين . وقد شهدت الساحة الأدبية في ذلك الوقت معركة ضارية بين مصطفى الرافعي وطه حسين، حيث ركز طه حسين دعوته إلى التجديد والمنهج الغربي، وتجاوزت الخلافات بينهما إلى صدامات وتكفير، انتقد في ذلك طه حسين كتاب الرافعي (تاريخ الأدب العربي ) وانتقد الرافعي كتاب طه حسين (في الشعر الجاهلي ). ولنا أن نتصور هذه العقلية الفذة المطلعة والعلم المتدفق لدكتور الجزولي وهو في المرحلة المتوسطة، بمعنى أنه لم يتعد الرابعة عشر من عمره، ولنقس ذلك بأبناء اليوم الذين بالكاد يستطيع الواحد منهم كتابة رسالة قصيرة مليئة بالأخطاء الاملائية والنحوية .
وفي ظل هذه الأجواء المشحونة بالعلم والأدب، وقع في يد دكتور الجزولي ديوان المتنبي فحفظ معظم قصائدة، وما زالت بعض الأبيات عالقة بذاكرته والتي تلاها لنا :
مَغاني الشَعبِ طيباً في المَغاني
بِمَنزِلَةِ الرَبيعِ مِنَ الزَمانِ
وَلَكِنَّ الفَتى العَرَبِيَّ فيها
غَريبُ الوَجهِ وَاليَدِ وَاللِسانِ
مَلاعِبُ جِنَّةٍ لَو سارَ فيها
سُلَيمانٌ لَسارَ بِتَرجُمانِ
وما زال يذكر أستاذ اللغة العربية سر الختم في رفاعة الوسطى، والذي كان مشتركاً في مجلة الرسالة المصرية، وهي مجلة أدبية ثقافية، وتعد واحدة من أبرز المجلات الثقافية والأدبية في العالم العربي، فكان يعيرها لطالبه المجتهد الجزولي، والذي يقرأها بشغف، وما زال يذكر قصة (غراب وطفل )التي كتبها أحمد حسن الزيات رئيس تحرير المجلة (حادثان وقعا في نهار يوم وليلة، نشب جناح أحد الغربان في مشتبك الغصون، ثم أقبلت الغربان وأطلقوا صاحبهم الغراب . وهناك صراخ طفل حديث الولادة على حال غير مألوف، ويا حسرة على الطفل اللقيط من بني آدم. أما الغراب فلم يتركه قومه وأما الطفل فقد تركه أبوه لأمه وتركته أمه للناس وتركه الناس للقدر )
كان من ضمن اهتماماته الأدبية شعر الدوبيت، ربما تأثر بالبيئة التي قضى فيها جزءاً من حياته في رفاعة، وبالأخص احب شعر الحردلو، والذي في أحد المواقف التاريخية عدد فضائل اهله الشكرية، الذين كانوا في مواجهة مع الخليفة عبدالله التعايشي، فسلك دور المصلح، مادحاً إبن عمه عمارة أبوسن قائلاً :
الزول السمح فات الكبار والقدرو
ثم قال
ده إن أداك وكتّر، ما بقول أديت
الدرق الموشّح كُلو بالسوميت
أب رسوة البِكُر حجّر شراب سيتيت
كاتال في الخلاء وعُقبان كريم في البيت
وأب رسوة هو التمساح الذي يمنع الناس من الشراب من نهر سيتيت
وحين ننتقل لدوره السياسي يظن المرء للوهلة الأولى أن بروف الجزولي شخصية مستقلة، ليس له حزب او توجه سياسي، سيما وأنه عين رئيساً لوزراء الحكومة الإنتقالية، والتى يفترض أن تكون حكومة تكنوقراط يتم فيها الأختيار على أساس الخبرة والمعرفة العلمية أو التقنية وليس الإختيار السياسي الحزبي . إلا أنه أكد توجهه الإسلامي، فقد إنتمى وهو في السنة الأول بجامعة الخرطوم إلى حركة التحرير الاسلامي برئاسة بابكر كرار، فدخل المكتب التنفيذي ومعه مرغني النصري و مدثر عبدالرحيم ومحمد يوسف محمد ويوسف حسن سعيد وأحمد محمد بابكر ، أغلبهم من الحقل القانوني وهو الوحيد بينهم من الحقل الطبي.
وقد نشأت حركة التحرير في خمسينيات القرن الماضي كرد فعل معاكس للحزب الشيوعي، ولتقديم طرح مستقل وغير مرتبط إدارياً بحركة الإخوان المسلمين في مصر .
كان لدكتور الجزولي علاقات واسعة بالنخب السياسية عبر الزمان وفي مراحل الحكم المختلفة .تحدث بعلاقته بالرشيد الطاهر بكر والذي أيضاً كان عضواً معه في حركة التحرير الإسلامي، وهو رجل مثير للجدل ترك كثيراً من الإستفهامات، خاصة بعد ضلوعه في إنقلاب علي حامد في عهد عبود عام 1959، دون علم الحركة الإسلامية التي كان عضواًِ فيها، ففشل الانقلاب وحكم عليه بالسجن 5 سنوات، فيما أعدم علي حامد ومن معه من عسكريين، ثم التحاقه فيما بعد بحزب الوطن الإتحادي .
يقول د الجزولي أنه كان طبيب امتياز وكان الرشيد الطاهر وقتها محامياً يبلغ من العمر 29 عاما، فدعاه إلى الغداء في منزله وذكر له موضوع الإنقلاب وطلب منه قبول أن يكون مرشحاً وزيراً للصحة، لكنه رفض قائلاً للرشيد أنه ضد الإنقلابات وضد الحكم العسكري .
وكما درس الوسطى في مدرسة رفاعة الأميرية فقد عمل بها لمدة ثلاث سنوات كطبيب عمومي، ثم مديراً لمستشفى رفاعة، ثم انتقل بعدها ليكون مديراً لمستشفى القضارف، وهناك كانت له صداقة بشيخ العرب وناظر الشكرية محمد حامد ابوسن .
ثم كان اللقاء بسوار الذهب لقاءً سياسياً استراتيجياً ثورياً ، وبالمناسبة لم يكن ذلك اللقاء الاول به، فقد إلتقاه قديماً في مدينة الأبيض في منزل اللواء عبدالله محمد عثمان والذي عمل سفيرا بيوغندا وهو من أعز اصدقائه ويكن له وداً خاصاً.
ولا يخفي بروف الجزولي أنهم توجسوا خيفة من المجلس العسكري الانتقالي، لكن أكد لهم سوار الذهب ان الهدف الأساسي من تكوين المجلس وحدة الجيش وتماسكه. ولذلك قبلوا بدور المجلس العسكري كمرجعية في الحكم دون أن يكون للمجلس دوراً تنفيذياً، لذلك ما اجتمعوا معهم وإلا حدث توافق جماعيي سهل لهم مهمة ادارة تلك المرحلة العصيبة، ولا يتحاج الأمر إلى حصافة او ذكاء لنقارن بين تلك الفترة وبين ما حدث بعد ثورة ديسمبر .
بعد أن أمسك الجزولي سلطة رئيس الوزراء وفي شهوره الاولى، كان أول قرارته تشكيل لجنة انتخابات، تجلت مراحلها في عمل الإجراءات الأولية بتكوين الدوائر الانتخابية، وعمل الإحصاء السكاني وتوج ذلك بقانون الانتخابات وعمل الدستور الانتقالي، وكلها كانت خطوات عملية تدعم الثقة وتؤكد الحرص على تسليم السلطة بعد عام واحد .
وتوطدت علاقته كذلك بدفع الله الحاج يوسف فكان من أصدقائه المقربين، وهو رجل أديب وقاريء ويحب الشعر .
وله علاقة حميمة بكل من أمين مكي مدني وعمر عبدالعاطي، ويعتبرهما ساعده القانوني ومن أقرب المقربين اليه .
وفي علاقاتهم الخارجية قابل الملك فهد والذي أكد وقوف المملكة العربية السعودية مع الثورة الشعبية وأنهم سيدعموا الفترة الانتقالية . كذلك قابل الشيخ زايد في الإمارات فذكر له أن سبب عدم دعم العرب للسودان يرجع إلى أن السوداني غير ملحاح في طلبه بينما العرب قشرتهم قوية إذا لم تكسرها لن تصل إلى داخلها، وهذه مشلكة السودانيين حين يتعاملون باللين . وهكذا لم يجدوا دعما ماديا من الخليج، لكن يكفي على الأقل دعمهم الأدبي فلم تواجه حكومتهم بأي عدوان .
كذلك كان لزيارته مصر اثراً بالغاً خاصة في إرجاع الدعم الذي كانت تقدمه الحكومة المصرية للطلبة السودانيين الدارسين في مصر، فقد قابل الرئيس حسني مبارك، فذكره بالرواق الثقافي السناري في الأزهر الشريف، وكيف كان يستفيد منه المصريين والسودانيين سواء، فهل تريد الحكومة المصرية محو ذلك الأثر الثقافي الذي إمتد بدعمها للطلبة السودانين، ونصحه عدم نسف هذا التاريخ الناصع، حتى لا يقال فيما بعد أن الرئيس مبارك هو السبب . وبعد ذلك اللقاء قرر الرئيس مبارك مباشرة إرجاع الدعم المادي للطلبة الذين يدرسون في جامعات مصرية .
ولا يحسبن أحد أن هذه المسيرة القاصدة والنجاح والتوفيق، يحدث بدون دعم أسري، حتماً إن الإستقرار الأسري هو مبعث النجاح وأكبر محفزاً لإستمرار البزل والعطاء . تزوج بروف الجزولي من رفيقة دربه عائشة الصوفي، وله بنتان أمل سلكت نفس تخصص والدها فاصبحت استشارية في الجهاز الهضمي في بريطانيا، وندى التي تخصصت في الصيدلة .
إنتهت الرحلة وتوقفت الدابة التي تقلنا، وقضينا يوما من أجمل الأيام، خفف علينا قسوة بلاد الغربة التي نتنسم فيها برودة الشتاء القارص الممزوجة بأخبار الحرب الحارقة في السودان .
حفظ الله البروف الجزولي ومتعه بالصحة والعافية والبركات والعلم الذي لم يفارقه في حله وترحاله السياسي والأكاديمي، وسيكون خير سلف لخير خلف، وبالله التوفيق .
دكتورة هويدا صلاح الدين العتباني
أستاذة بجامعة النيلين
howsa1200@gmail.com



