✍️كتب مصطفى ودالنمر الشقلة عوج الدرب والجديد عمران حكاية الوفاء على ضفاف النيل الأزرق

في السودان، كثيراً ما تُكتب الحكايات الكبيرة بعيداً عن ضجيج المدن وصخب السياسة. تولد في القرى الوادعة، حيث الناس على سجيتهم الأولى، وحيث الأخلاق القديمة ما تزال حاضرة في السلوك قبل القول. هناك، بين ضفاف النيل الأزرق وحقول مشروع الجزيرة، تنمو القيم كما تنمو السنابل، ويكبر الرجال على معاني الشهامة والوفاء.
هناك حيث ينساب النيل الأزرق في هدوءٍ كأنما يروي للأرض حكايات الزمن، وحيث تمتد الحقول خضراء كأنها بساطٌ من العطاء، يتربى الناس على البساطة التي لا تعرف التكلف، وعلى المروءة التي لا تحتاج إلى شاهد. في تلك القرى تُحفظ الكلمة عهداً، ويصبح الجار أخاً، ويُستقبل الضيف كما يُستقبل المطر بعد طول انتظار.
وعلى امتداد ضفتي النيل الأزرق تنتظم القرى السودانية كأنها سبحة من القيم والتاريخ؛ قرى تتباعد في المكان لكنها تتلاقى في الوجدان، يجمعها النهر كما يجمعها النسب والعمل في الأرض.
ومن أمثلة هذه القرى في هذا الامتداد قرى المنطقة الواقعة بين الباقير والكاملين مثل: الباقير، الجديد الثورة، الشقلة عوج الدرب، الجدايد بفروعها ومنها الجديد عمران، المسعودية، وعلي الضفة الاخري العسيلات، ثم تمتد بعدها القرى شمالاً حتى الكاملين.
وكلها قرى يجمعها خيط واحد من الجوار والرحم والمصاهرة والعمل المشترك في أرض الجزيرة.
ومن بين هذه القرى تبرز الشقلة عوج الدرب والجديد عمران، قريتان جمع بينهما الجوار أولاً، ثم شد بينهما التاريخ خيوطاً من المودة والرحم، حتى صارت العلاقة بين أهلهما أشبه بعلاقة البيت الواحد.
تقع الشقلة عوج الدرب بوحدة المسيد بمحلية الكاملين بولاية الجزيرة، على الضفة الغربية للنيل الأزرق، على بعد أربعة وأربعين كيلومتراً جنوب الخرطوم. يحدها شمالاً النيل الأزرق، وشرقاً المسعودية، وغرباً الجديد الثورة، وجنوباً مدينة جياد الصناعية.
أما اسمها فيحمل حكاية قديمة من حكايات الكرم السوداني.
فالشقلة سميت نسبةً إلى نبات الشَّقَل الذي كان ينتشر في تلك الأرض قديماً، أما عوج الدرب فهو لقب ارتبط بالشيخ إدريس محمد بركات، حفيد الشيخ إدريس ود الأرباب من محس العيلفون.
وتقول الروايات إن والده بعثه إلى تلك الناحية ليكون ملاذاً للقوافل التجارية التي تعبر الطريق بين القرى. فجاء الفتى إلى هذه الأرض، وأوقد نار الضيافة، وفتح بيته للركبان، حتى صار مأوى للمسافر ومقصداً للضيف. ومن كثرة ما كان يقف عند الطريق يستقبل الناس ويكرمهم، لقبه الناس بـ عوج الدرب؛ الرجل الذي يقف عند منعطف الطريق ليهدي الضيف ويضيء له السبيل.
ومنذ ذلك الزمن، صارت الشقلة داراً للضيافة وموطناً للكرم، يتوارث أهلها هذه الخصال كما يتوارثون الأرض والنخيل.
ويعمل معظم أهلها بالزراعة في مشروع الجزيرة، خاصة في مكاتب السديرة والفراجين، إضافة إلى الزراعة في جروف النيل الأزرق، حيث تتعانق الأرض بالماء في مواسم الخير. كما يعمل بعض شبابها في مدينة جياد الصناعية وفي التجارة، بينما انتشر كثير من أبنائها في بلاد الاغتراب بالخليج وأوروبا وأمريكا.
وعلى مقربة منها تقوم قرية الجديد عمران، إحدى قرى منطقة الجدايد المعروفة في شمال الجزيرة. والجدايد ليست قرية واحدة، بل منظومة من القرى المتجاورة، هي:
الجديد الدبب، الجديد عمران، الجديد العوامرة، الجديد العطشة، والجديد خليف.
أما عن نشأة الجديد عمران، فتتعدد الروايات حول تاريخها. فبعض الروايات الشفاهية تشير إلى أن القرية قد تكون نشأت قبل ما يقارب الألف عام، حين بدأت حلقات تعليم القرآن تنتشر في المنطقة في زمن الشيخ إدريس ود الأرباب شرق النيل.
بينما تذهب رواية أخرى إلى أن نشأة المنطقة ارتبطت بفترة السلطنة الزرقاء في مطلع القرن السادس عشر، حين جدد عبد الله جماع وعمارة دنقس تحالفهما في هذه الأرض قبل التوجه لإسقاط مملكة سوبا، ومن هنا جاءت تسمية الجديد باعتبارها موضع تجديد البيعة والعهد بين الرجلين.
وقد سكنت هذه المنطقة مجموعات عديدة من القبائل السودانية مثل الشكرية والبوادرة والدويحية والسالماب والمحس ورفاعة والعبدلاب والكواهلة والجعليين وغيرهم، فاختلطت الأنساب وتداخلت البيوت حتى صار المجتمع نسيجاً واحداً.
وكان لقبيلة رفاعة حضورٌ راسخ في هذه الديار،الذين امتد وجودهم في القرى الزراعية وأسهموا في عمرانها الاجتماعي والاقتصادي.
ويروي الناس في هذه المنطقة قصةً طريفة ذات دلالة عميقة على روح الكرم والعطاء. فقد قالت الليمون بنت حمد ود إدريس العسيلاوية لابنها الشيخ ود حمد في معرض الفخر بكرم قومها:
تكسي في الحرير حاشا ما دمور
وتسقي حاشا ممشون
لكن يا جني… مع أبو بياكي ما مشهور
وابو بياكي هنا هو الشيخ ودعوج الدرب
وبياكي هذه انجبت سلة من اخيار العسيلات
وكانت تقصد أن الكرم لا يكتمل إلا إذا ذاع صيته بين الناس كما كان شأن آبائهم. فما كان من ابنها إلا أن أهدى لها أربعين حبلاً من الأرض، وهي الأرض التي قامت عليها لاحقاً مستشفى جياد.
وهكذا ظلت القرى الممتدة على ضفتي النيل الأزرق مجتمعاً مترابطاً، يجمعه العمل في الأرض وتربطه أواصر المصاهرة والجوار. وفي الأفراح يتلاقى الناس كما يتلاقون في الأتراح، وتعزز بينهم الروابط دوريات كرة القدم التي ظلت لسنوات طويلة تجمع شباب القرى في تنافسٍ أخوي جميل.
وفي خضم الحرب التي مرّت بها البلاد، ظهرت هذه القيم في أبهى صورها.
فحين ضاقت الظروف، فتح أهل الشقلة عوج الدرب بيوتهم لإخوانهم من الجديد عمران، واستقبلوهم بكرمٍ ومروءة كما هي عادة أهل الجزيرة منذ القدم.
ومع حلول شهر رمضان، جاء رد الجميل في مشهدٍ يفيض بالوفاء.
خرجت أسر الجديد عمران تحمل فطورها، وسارت نحو الشقلة عوج الدرب لتفطر مع أهلها تقديراً لذلك الموقف النبيل. امتدت المائدة طويلة كأنها جسر من المحبة بين القريتين، وحين التقط أحد المصورين المشهد من الأعلى بدت المائدة كأنها لوحة من الألفة والوفاء تناقلتها وسائل الإعلام ومواقع التواصل.
وقد عبّر الشاعر نصار عبد الحي العاليابي عن روح هذا المجتمع حين قال:
متواضعين وعايشين بالبساطة حياتنا
في الجود والكرم كضب البقولك فاتنا
الطير يوم يجوع نمرق نجر محراتنا
ولدتنا المواقف قبل رحم أمهاتنا
الخاوانا في بحر المخاواة نغوسلو
نحن العز بجينا بكوسنا ما بنكوسلو
بنكرم ضيفنا والمال في الجيوب بندوسلو
خليهو البشر نحن النمل بنعوسلو
وقال أيضاً:
كضاب البقولك في الرجالة بفوتنا
نحنا نسكت الناس يوم نبوح بسكوتنا
عندنا غيرة… نحنا الحشمة كاسية بيوتنا
وعرض جيرانا عندنا زي عرض بنوتنا
هذه هي أخلاق السودان التي نشأ عليها الناس جيلاً بعد جيل:
إكرام الضيف، نصرة الجار، وصون الجميل.
وفي معركة الكرامة أثبتت كثير من قرى الجزيرة معدنها الأصيل، كما فعلت السريحة وأزرق والتكينة التي ضربت أمثلة في الصمود والثبات أمام اعتداءات المليشيا، لتؤكد أن أهل هذه الأرض كما هم أهل كرمٍ في السلم فهم أيضاً أهل عزةٍ وثبات حين تُمس الأرض والعرض.
فالتحية لأهلنا في الشقلة عوج الدرب.
والتحية لأهل الجديد عمران.
والتحية لكل قرى النيل الأزرق الممتدة على ضفتيه.
والتحية لكل مدن وقري السودان
ونسأل الله أن يحفظ السودان وأهله، وأن ينصر جيشنا الباسل والقوات المساندة له في كل الميادين، وأن يكتب لهم النصر والعزة حتى يعود الوطن آمناً مطمئناً.
فالسودان باقٍ…
ما بقي في أهله هذا الكرم،
وما بقي في أرضه هذا الوفاء.



