حكايـاتي مـع الأزرق .. بقلم السفير د. خالد محمد فرح

كان الدبلوماسي المطبوع، والأديب الأريب، والشاعر النحرير، عبد الله حمد الأزرق عليه رحمة الله ورضوانه ، سيداً غطريفاً، وأرباباً حقيقياً بكل ما تعنيه هذه الصفة من معانٍ ودلالات بالنسبة للسودانيين، ورجلاً سمحاً، موطأ الأكناف، لين الجانب، يحتفي بالناس، ويهش في وجوههم، ويحتشد احتشاداً للإصغاء إليهم، والتجاوب معهم، حتى ليحس كل واحد من معارفه وأصدقائه الكثيرين للغاية، ومختلفي المشارب والخلفيات، أنه صفيه وحده من دون الآخرين.
كنت – لحسن الحظ – أحسب نفسي من أولئك النفر الذين كانوا يحسون بذلك الشعور الدافئ عندما تتهيأ السوانح السعيدة للالتقاء بالسفير الأزرق، فيسعدون بأنسه اللطيف، الذي ما كان يخلو البتة من فائدة معرفية، أو لفتة أدبية، أو طرفة مليحة، سواء كانت تلك اللقاءات كفاحا، أو عبر المكالمات الهاتفية ، أو بالتراسل عبر وسائط التواصل الاجتماعي.
وقد كنت وإياه، كثيراً ما يعرض كل واحد منا على الآخر، ما يكتب من قبيل إحكام التدقيق او ما يسمى بالـ proof reading ، وكان هو لفرط تواضعه وحسن ظنه بي، يرسل إلي أحيانا بعض مسودات قصايده الشعرية ومقالاته النثرية في شتى المواضيع، رغم أنني لم أكن أجد فيها في غالب الأحيان، ما يستوجب التصحيح أو الاستدراك عليه.
وقد اشتهر من بين تلك الإخوانيات الأدبية، التي كان محورها المرحوم السفير الشاعر ِعبد الله الأزرق، وطار ذكرها في الآفاق، خبر قصيدته الهائية الرائعة التي نظمها بمناسبة زيارة السيدة الفاضلة الناها بنت المكناس، وزيرة خارجية موريتانيا سابقاً للسودان في حوالي عام 2010م، وقد كان الأزرق يشغل حينئذَ، وظيفة مدير الإدارة العربية بديوان الوزارة بالخرطوم، ولذلك فقد كان وثيق الصلة بملف تلك الزيارة بحكم منصبه، خصوصا وأن نظيره مدير الإدارة العربية بالخارجية الموريتانية، السفير والشاعر أيضاً باباه ولد سيدي عبد الله ، قد كان مرافقاً لوزيرته في تلك الزيارة.
كنت وقتها سفيراً للسودان في داكار عاصمة جمهورية السنغال ، ولكنني تصادف أن قدمت إلى الخرطوم في مهمة قصيرة، فتقابلت مع السفير الأزرق بمكتب مدير مكتب وزير الخارجية، فقصً علي القصص، وقال إنهم يستقبلون في تلك الايام السيدة الناها وزيرة خارجية موريتانيا، وأنهم قد أقاموا لها مأدبة على شرفها والوفد المرافق لها ، وأن مساعدها مدير الإدارة العربية واسمه السفير باباه ، قد نظم قصيدة من وحي تلك الجلسة، على قافية الهاء التي تليها ألف طالعة، حيّا فيها العلاقات بين السودان وموريتانيا ونوه فيها بالصلات الأزلية والراسخة بين الشعبين الشقيقين. وأضاف الأزرق بأن الهاشمية قد عربدت به هو أيضا، فجادت قريحته بقصيدة مماثلة لقصيدة باباه المذكور . ثم إنهما عمدا إلى دمج القصيدتين معاً فخرجتا في شكل قصيدة واحدة طويلة جيدة. واعلم يا رعاك الله، أن الشعر العربي كله قصيدة واحدة ، منذ عهد ابن حزام الذي ذكره امرؤ القيس، وإلى عهد محمد عبد الباري وتميم البرغوثي، فلا تكونن من الممترين !.
ثم إن الأزرق أهداني نسخة من تلك القصيدة الناهية المسبوكة، فحملتها معي جذلاً بها إلى البيت، فما أصبح علي الصباح، إلا وقد جاريتها بقصيدة هي الأولى من بين مجموعة من القصائد الناهية المماثلة، التي كانت قد أثارت لغطاً كثيراً ما بين مستحسن استحسانا فنياً، ومستهجن استهجاناً مقاصدياً وتأويلياً أبعد النجعة وحاد عن جادة الطريق.
فكان مما جاء في قصيدتي وأنا أشير لصنيع السفيرين عبد الله وباباه:
فصاغَ كلُ أديبٍ في الهوى دُرراً
تُسبِي العقولَ فما العقّادُ أو طاها
تبعتُ شأنهمو في كلّ ناحيةٍ
كما تتبّع عبدُ اللهِ باباها !
ثم انفتح الباب من بعد ، فجاءت قصائد ناهيات أخرى جياد ، على ذات البحر والقافية، بأقلام كل من السفراء محمد الطيب قسم الله، وعمر دهب ، بالإضافة إلى الشاعر العبقري الأستاذ إبراهيم محمد محمود الدلاّل.
لم يلتق صديقنا الشاعر المبدع إبراهيم الدلال بالسفير الأزرق كفاحا في حياته قط، ولكن ظلت تربط بينهما صداقة ومودة عميقة وإعجاب متبادل جم. وأنا أحمد الله بأنني كنت بمثابة ساعي البريد فيما بينهما ، حتى توثقت الصلة بينهما، وكان الأزرق يكن إعجابا غير متناه لشاعرية إبراهيم الدلال. وبعد وفاة الأزرق وانتقاله إلى جوار ربه بعد عدة أشهر، كشف لي الدلال عن لفتة تدل على كرم الأزرق ووفائه لأصدقائه ، حتى أولئك الذين لم تتهيأ له مشاهدته منهم عياناً كالاستاذ الدلال. فقد ذكر لي إبراهيم الدلال أن الأزرق كان قد أرسل من لندن، ثوباً نسائياً زاهياً هدية لزوجة الدلال إذ هو سفير هناك، على الرغم من أنه لم ير أياً منهما، فتأمل !.
وبمناسبة سفارة الأزرق بلندن ، يسرني أن أذكر في هذا المقام أيضاً، أن تلك السفارة الميمونة قد تزامن كذلك لحسن الحظ، مع فترة تكليفي برياسة بعثة السودان في باريس في المرة الأولى 2011 – 2013م. وفي صيف عام 2013 نفسه، قبيل نهاية تلك الفترة ورجوعنا إلى السودان، قمت بزيارة سياحة إلى بريطانيا مع زوجتي وأطفالنا، فاستضافنا السفير الأرباب عبد الله الأزرق في مقر إقامته ، وكان ذلك في شهر رمضان المعظم، فنعمنا في داره بالاستضافة الكريمة، والطعام الشهي، والأنس الجميل ، والجولات السياحية في معالم لندن التي كان دليلنا فيها نجله الابن أحمد الأزرق، الذي هو لحسن الحظ صديق ولديّ الكبيرين محمد ومنتصر وزميلهما منذ المرحلة الابتدائية بأكاديمية الخارجية بحي كافوري.
حكي لي الأزرق عن أهله المجاذيب ، قاطني الصوفي الأزرق والقضارف بشرق السودان، وكيف أنهم كانوا قد خرجوا في صحبة المك نمر في النصف الأول من عشرينيات القرن التاسع عشر، وذلك إثر مقتل إسماعيل باشا بن محمد علي باشا. ودهشت بصفة خاصة عندما علمت منه أن طائفة من رهطهم المجاذيب، قد أمعنوا في التوغل إلى داخل الحبشة، حتى انتهى بهم الأمر إلى أن استحبشوا لسانا مرةً واحدة.
أما عن حس الفكاهة عند الأزرق، فإن ذلك باب كبير لا نستطيع الإحاطة به جميعه في هذه العجالة بطبيعة الحال، بيد انني أود أن أذكر هذا الموقف الحقيقي الطريف الذي وقع للسفير الأزرق أثناء ممارسة مهنته الدبلوماسية، وقد حكاه لي من ضمن ما حكى رحمه الله.
قال: كان هو مديراً للإدارة العربية بوزارة الخارجية، وفي غضون ذلك، جاء الرفيق عبد الله الأحمر، أمين سر حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريا سابقاً، بزيارة رسمية إلى السودان، فطُلب منه بحكم منصبه، أن يكون ضمن مستقبليه بمطار الخرطوم. فعندما هبط الضيف من على سلم الطائرة، وشرع في مصافحة مستقبليه، صافحه عبد الله الأزرق من ضمن المصافحين، وبادر الضيف فقدم نفسه له قائلاً؛ ِعبد الله الأحمر، قال فقلت له وأنا أشد على يده وانظر إلى وجه كما يقتضي الموقف: عبد الله الأزرق !. قال فانتفض الرجل انتفاضة خفيفة مشوبة بشيء من الدهشة والاستنكار. قال فقلت له هذا هو اسمي حقيقةً، ولست بمازحَ ولا في هازل.



