أسامة داؤود… بين حنكة رجل الأعمال وإنصاف التجربة .. بقلم: عثمان شيخ الدين عكرة

في كل مرة يبرز فيها اسم رجل أعمال سوداني، تنقسم الآراء بين من يراه صانعاً للتنمية، ومن يراه ابناً لامتيازات السلطة. وبين هذين الموقفين تضيع في كثير من الأحيان حقيقة أكثر تعقيداً: هل نستطيع تقييم التجربة بمعايير الاقتصاد، أم أننا لا نزال أسرى الاستقطاب السياسي؟
عاد اسم أسامة داؤود إلى الواجهة بعد لقائه رئيس الوزراء كامل إدريس، وقبل أن يطرح الرجل أي مشروع أو يعلن أي برنامج، انطلقت حملة من المقالات والمنشورات التي أعادت فتح ملفات قديمة، وقدمت الرجل باعتباره أحد المستفيدين من الأنظمة السابقة، وكأن تاريخه الاقتصادي كله لا يختزل إلا في هذه الزاوية.
لكن السؤال الذي يستحق التحقيق ليس: هل استفاد أسامة داؤود من بيئة سياسية معينة؟ فالإجابة عن هذا السؤال قد تشمل عشرات رجال الأعمال داخل السودان وخارجه. السؤال الحقيقي هو: ماذا أنجز للاقتصاد السوداني، وما الذي بقي من أثره بعد كل هذه السنوات؟
أتذكر جيداً يناير 2013 عندما حضرت افتتاح مدينة داؤود عبد اللطيف لسكن الطالبات بمنطقة العمارات في الخرطوم. لم يكن المشروع مجرد مبنى للإيواء، بل كان نموذجاً مختلفاً في بيئة السكن الجامعي، باستثمارات قدرت حينها بنحو خمسة ملايين دولار. كان ذلك المشروع واحداً من النماذج التي أظهرت أن القطاع الخاص يمكن أن يشارك في معالجة قضايا اجتماعية وتعليمية، وليس فقط في تحقيق الأرباح.
ولفت انتباهي يومها أن أسامة داؤود، رغم حضوره حفل الافتتاح إلى جانب الرئيس عمر البشير، لم يتحدث أمام الحضور، تاركاً الكلمة لأحد مستشاريه، الذي أشار إلى أن المجموعة واجهت عقبات في تنفيذ عدد من المشروعات الاستثمارية، بينها مشروع غابة النخيل السياحي، إضافة إلى مشروعات أخرى لم تكتمل. لم أملك حينها وثائق تمكنني من الجزم بأسباب تلك العقبات، لكنها طرحت سؤالاً مشروعاً: هل كانت العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال علاقة دعم مطلق كما يصورها البعض، أم كانت أكثر تعقيداً؟
عندما نراجع مسيرة مجموعة دال، نجد أنها لم تنشأ كشركة عملاقة بين ليلة وضحاها. فقد بدأت من شركة التراكتورات السودانية التي أسسها الراحل داؤود عبد اللطيف، ثم توسعت في قطاعات الأغذية والزراعة والصناعة والخدمات. وخلال سنوات، أصبحت من أكبر الشركات الوطنية، ووفرت آلاف الوظائف، وأسهمت في نقل خبرات إدارية وإنتاجية إلى السوق السوداني.
هذا لا يعني أن التجربة فوق النقد، ولا أن كل ما ارتبط بها كان مثالياً. فالاقتصاد السوداني طوال العقود الماضية كان اقتصاداً شديد التشابك مع السلطة، وتداخلت فيه السياسة مع الاستثمار بصورة جعلت كثيراً من النجاحات محل شك دائم، كما جعلت كثيراً من الإخفاقات تُفسَّر باعتبارات سياسية أكثر من كونها اقتصادية.
لكن الإنصاف يقتضي أن نفرق بين الاستفادة من بيئة اقتصادية متاحة وبين بناء مؤسسات قادرة على الاستمرار والإنتاج. فكم من رجال أعمال حصلوا على الامتيازات نفسها، ثم اختفت شركاتهم؟ وكم من شركات لم تستطع الصمود أمام تغير الأنظمة والظروف الاقتصادية؟ إن القدرة على البقاء والتوسع لعقود ليست نتيجة الامتيازات وحدها، بل تتطلب إدارة وكفاءة واستثماراً طويل الأجل.
اليوم، والسودان يبحث عن طريق لإعادة بناء اقتصاده بعد سنوات الحرب والانهيار، لا يحتاج إلى محاكمات سياسية لرجال الأعمال بقدر ما يحتاج إلى مراجعة علمية لتجاربهم. ما الذي نجح؟ وما الذي أخفق؟ وكيف يمكن الاستفادة من الخبرات الوطنية، مع وضع قواعد شفافة تضمن المنافسة العادلة وتمنع الاحتكار؟
إن الدول لا تنهض بإقصاء أصحاب الخبرة، كما لا تنهض بمنحهم حصانة من النقد. وإنما تنهض عندما تجعل القانون هو الحكم، والشفافية هي المعيار، والمصلحة الوطنية هي البوصلة.
ولذلك، فإن قراءة تجربة أسامة داؤود يجب أن تكون قراءة كاملة، لا تختزلها المواقف السياسية، ولا تمحو ما تحقق من إنجازات اقتصادية واجتماعية. فالاقتصاد لا يُبنى بالشعارات، وإنما بالوقائع، والوقائع تقول إن هناك تجربة سودانية تستحق الدراسة والنقد والإنصاف في آنٍ واحد.


